حيدر حب الله
16
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وهذا لونٌ آخر ممّا قلناه سابقاً من أنّ المرحلة المكّيّة لها جانبها الذاتيّ في بناء الشخصيّة الصالحة . ولهذا تستمرّ الآية الكريمة المشار إليها بالمطالبة بالعبادة حتّى الموت ( اليقين ) ؛ لأنّ هذه العلاقة مع الله سبحانه ، والتي أريد لها أن ترفع ضغط الواقع عن الإنسان الصالح ، لا تنتهي بارتفاع هذا الواقع ؛ لأنّها علاقة غير نفعيّة بشكلٍ آنيّ ، وإنّما هي المبدأ والأصل في حياة الإنسان المؤمن ، فلم يطلب الله من المؤمنين اللجوء الروحيّ إليه لتنفيس الاحتقان إلّا بقدر ما أراد أن يجعل هذا اللجوء بهذا الغرض ترسيخاً للعلاقة معه سبحانه إلى ما هو أبعد من هذه الدائرة . لقد عرفنا كيفيّة الصبر ومنشأه في هذه المرحلة ، لكنْ ألا يكون الصبر ذُلًّا وجبناً وتخاذُلًا هنا ؟ ! لقد واجه المسلمون الأوائل هذه الظاهرة ، فطالب الكثيرون منهم بالحرب والجهاد في العصر المكّيّ وبدايات العصر المدنيّ . كما واجه أنصار الإمام عليّ في عصره وبعده هذه الظاهرة أيضاً ، فكان بعضهم يهدف التصعيد على الدوام في مواجهة الطرف الآخر في الداخل الإسلاميّ . وقد أدّى هذا الأمر إلى اتّهامهم الإمام الحسن باتّهامات قاسية ( مذلّ المؤمنين ) . بل هناك مَنْ يستصعب سكوت الإمام عليّ عن بعض التصرُّفات التي صدرت ضدّه وأهل بيته ، وهو المعروف بالشجاعة والجرأة . وهذه ظاهرةٌ غير خاصّة بالمناخ الدينيّ . هذا نوعٌ آخر من البلاء الذي يواجهه المؤمنون في المرحلة المكّيّة . ولعلّه من أصعب الأنواع . وحلُّه يكون بالصبر ؛ فإنّ الصبر كما ذكر علماء الأخلاق على أنواع ، وأحد أنواعه هو ما تقدَّم من الصبر على ظلم الآخرين وأذاهم ، لكنّ نوعه